الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
272
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثم إن كان قول نوح - عليه السّلام - إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي إلى آخره تعريضا بالمسؤول كان النّهي في قوله : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ نهيا عن الإلحاح أو العود إلى سؤاله ؛ وإن كان قول نوح - عليه السّلام - مجرد تمهيد للسؤال لاختبار حال إقبال اللّه على سؤاله كان قوله تعالى : فَلا تَسْئَلْنِ نهيا عن الإفضاء بالسؤال الذي مهّد له بكلامه . والمقصود من النهي تنزيهه عن تعريض سؤاله للردّ . وعلى كل الوجوه فقوله : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ موعظة على ترك التثبّت قبل الإقدام . والجهل فيه ضد العلم ، وهو المناسب لمقابلته بقوله : ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . فأجاب نوح - عليه السّلام - كلام ربّه بما يدل على التنصّل ممّا سأل فاستعاذ أن يسأل ما ليس له به علم ، فإن كان نوح - عليه السّلام - أراد بكلامه الأول التعريض بالسؤال فهو أمر قد وقع فالاستعاذة تتعلق بتبعة ذلك أو بالعود إلى مثله في المستقبل ؛ وإن كان إنّما أراد التمهيد للسؤال فالاستعاذة ظاهرة ، أي الانكفاف عن الإفضاء بالسؤال . وقوله : وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ طلب المغفرة ابتداء لأن التخلية مقدمة على التحلية ثم أعقبها بطلب الرحمة لأنّه إذا كان بمحل الرضى من اللّه كان أهلا للرحمة . وقد سلك المفسرون في تفسيرهم هذه الآيات مسلك كون سؤال نوح - عليه السّلام - سؤالا لإنجاء ابنه من الغرق فاعترضتهم سبل وعرة متنائية ، ولقوا عناء في الاتصال بينها ، والآية بمعزل عنها ، ولعلنا سلكنا الجادة في تفسيرها . [ 48 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 48 ] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) فصلت الجملة ولم تعطف لوقوعها في سياق المحاورة بين نوح - عليه السّلام - وربّه ، فإنّ نوحا - عليه السّلام - لما أجاب بقوله : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [ هود : 47 ] إلى آخره خاطبه ربه إتماما للمحاورة بما يسكّن جأشه . وكان مقتضى الظاهر أن يقول : قال يا نوح اهبط ، ولكنه عدل عنه إلى بناء الفعل للنائب ليجيء على وتيرة حكاية أجزاء القصة المتقدمة من قوله : وَقِيلَ يا أَرْضُ